إلى متى يمكن زيلينسكي الصمود بوجه ضغط بوتين؟

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

بين الإيجابيّة والتحفّظ

وفّرت باريس للعاصمتين فرصة للبناء على الإنجاز السابق والبدء بالتطلّع نحو المستقبل. على الرغم من أنّه لم يتمّ توقّع الكثير من الخطوات خلال اجتماع الاثنين الذي توسّط فيه الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل، خرج الاجتماع ببيان مكتوب اتّفق فيه الأطراف على الإفراج وتبادل جميع المحتجزين بسبب النزاع بحلول نهاية السنة الحاليّة. واتّفق بوتين وزيلينسكي على فكّ الاشتباك بين القوى العسكريّة في أوكرانيا بحلول نهاية آذار 2020. لكن لا تزال الدولتان مختلفتين حول مسألة انسحاب القوّات المدعومة من روسيا وتنظيم انتخابات في مناطق شرق أوكرانيا التي يحكمها انفصاليّون.

لم تفسد هذه الخلافات التحسّن في العلاقات الثنائيّة. بحسب مراسل صحيفة "ذي اندبندنت" في موسكو أوليفر كارول، أبدى بوتين "سروره الكبير" بالاجتماعات التي عُقدت: "هل أعتقد أنّه كان هنالك ازدياد دفء في العلاقات؟، نعم، في الواقع، أظنّ أنّه كان". تراوح تقييم الاجتماع لدى المراقبين بين الإيجابيّة المقرونة بالواقعيّة وبين التحفّظ. وفقاً ليوري فيترنكو، مدير شركة النفط الوطنيّة الأوكرانيّة "نافتوغاز"، بالكاد "توافق الطرفان على الاستمرار في محاولة الاتّفاق". لكنّ النائب الأساسيّ السابق لكبير المراقبين في مهمّة الرقابة الخاصّة في أوكرانيا الموفدة من منظّمة الأمن والتعاون في أوروبا ألكسندر هاغ قال للصحيفة نفسها إنّ مجرّد حصول التفاوض هو نقطة إيجابيّة وموضع ترحيب.

"تعب"

في أوكرانيا، ليست الأمور سهلة بالنسبة إلى زيلينسكي. واجه الأخير آلاف المحتجّين الأحد مطالبين إيّاه بعدم تقديم تنازلات للرئيس الروسيّ. كذلك، مع تراجع الدعم الأميركيّ لأوكرانيا بسبب انشغال ترامب بالانتخابات الرئاسيّة وبالتحقيقات حول اتّصاله بزيلينسكي في تمّوز الماضي وربطه تقديم مساعدات بشرط التحقيق في ملفّات فساد تتعلّق بنجل المرشّح جو بايدن، تبدو الأمور معقّدة أمام الرئيس الأوكرانيّ.

لهذا السبب، ليس من السهل أن يحقّق زيلينسكي تقدّماً في المفاوضات من دون تقديم تنازلات كبيرة. ربّما أمكنه الاعتماد على الدعم الأوروبيّ حيث يطمح بوتين إلى رفعهم العقوبات عنه في إطار تطبيقه اتّفاقيات مينسك. لكن على الرغم من أنّ الأوروبّيّين لا يقدّمون هكذا مؤشّرات حاليّاً، لا يحتلّ الملفّ الأوكرانيّ أولويّة لديهم.

"التعب". هكذا يلخّص المحلّل في "المجلس الروسيّ للشؤون الدوليّة" ألكسي شيخاشيف وضع مجتمعَي السياسيّين والخبراء في ألمانيا وفرنسا إزاء هذا الملفّ، مع انشغال ماكرون وميركل بمشكلتين داخليّتين: التظاهرات في الشوارع الفرنسيّة، وانتقال السلطة الألمانيّة.

"صلب"... ولكن

ثمّة أسباب تفسّر صعوبة خروج اجتماع الاثنين بفائز وخاسر واضحين. يريد بوتين إجراء تنظيم انتخابات في المناطق الشرقيّة، وهو أمر يرفضه زيلينسكي قبل تسليم بلاده السلطة على الأمن الحدوديّ. حتى إعطاء الدونباس وضعاً خاصّاً لا يحظى باتّفاق حول على مداه القانونيّ والزمنيّ. ويرفض الأوكرانيّون اتفاقيات مينسك (2014 و 2015) لأنّها عكست التقدّم العسكريّ الروسيّ وفرضت أمراً واقعاً جديداً. لهذا قلق الأوكرانيّون من إمكانيّة تقديم زيلينسكي تنازلات لبوتين.

لكنّ الرئيس الأوكرانيّ ظلّ "صلباً" في مواجهة بوتين وفقاً لصحيفة "فايننشال تايمس". ونقلت أجواء ارتياح في كييف حيث انتهت التظاهرات بالقرب من مكتب زيلينسكي في وقت باكر من يوم الثلاثاء. وقالت إيرينا هيراشينكو، مشرّعة متحالفة مع الرئيس السابق المتشدّد تجاه روسيا بترو بوروشينكو إنّه "لم يكن هنالك خيانة، ولا انتصار، ولا اتفاق سلام موقع، ولا استسلام. وفي هذه المرحلة هذا على الأرجح جيّد بالنسبة إلى أوكرانيا". لكنّ الصحيفة نقلت عن المحلّل في مجموعة بنك "سيتي" في موسكو إيفان تشاكاروف قوله إنّ "كلا الطرفين قد يرى بعض المنفعة في هذه النتيجة، علماً أنّ روسيا تبدو المستفيد الأساسيّ."

مساعدة أوروبية لبوتين؟

ثمّة نقطة أخرى يمكن أن يكون الرئيس الروسيّ قد حقّق فيها تفوّقاً على أوكرانيا، هذه المرّة، في مسألة اقتصاديّة: ترانزيت الغاز. لم تعد موسكو مهتمّة بعقد لمدّة سنة ولن توافق على عقد آخر لعشر سنوات، كالعقد الحاليّ الذي ينتهي في 31 كانون الأوّل الحاليّ بحسب ما قاله زيلينسكي للصحافيّين بعد الاجتماع. وعقب حديثه عن بعض التقدّم، أشار أيضاً إلى احتمال دفع روسيا 3 مليارات دولارات كديون لصالح أوكرانيا عبر تصدير الغاز إليها. لكنّ بوتين لم يتكلّم إلى الصحافيّين بعد اللقاء لذلك ليس واضحاً ما إذا كان سيوافق زيلينسكي على حديثه، وفقاً لموقع "فايننشال أوبيزرفر".

وإذا حقّق بوتين انتصاره على أوكرانيا في المجال الاقتصاديّ، فمن المحتمل أن يكون ذلك بسبب حلفاء كييف الأوروبيين. بسبب خط أنابيب "نورد ستريم 2" و "تورك ستريم"، تخشى أوكرانيا تخلّي روسيا عن الترانزيت عبر أراضيها ممّا يفقدها 3 مليارات دولار كأرباح كما ستواجه ارتفاعاً في أسعار النفط. وبالتالي، ستضطرّ أوكرانيا إلى حسم أمر العقد تحت الضغط خلال أسبوعين بحسب الموقع البولوني نفسه.

"100 سنة"!

لكن الأهمّ من معرفة من حقّق الاستفادة الأبرز في اجتماع النورمانديّ، وعلى الرغم من أنّ أجواء اللقاء وعدت بالمزيد من العمل على حلّ الخلافات مع توقّع اجتماع آخر خلال الأشهر القليلة المقبلة، تبدو دوائر موسكو متشائمة بالنسبة إلى المستقبل. ولعلّ في الكلام الذي نقلته "الإندبندنت" عن مصدر وصفته بالرفيع من داخل الكرملين ما يكشف حجم الصعوبات المقبلة: "لا يوجد حل. قد يكون هنالك بعض التحسّنات، قد تسوء الأمور. لكن هنالك فهم متزايد بأنّ هذا هو نزاع مجمّد وسيبقى معنا للسنوات المئة المقبلة".

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

أخبار ذات صلة

0 تعليق