"يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت" .. كيف تستخدم الشركات نقاط ضعفك ضدك؟

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في العام 1980 قررت حكومة ألمانيا الغربية فرض غرامات فورية على راكبي الدراجات النارية الذين لا يرتدون الخوذات أثناء القيادة، وكان الدافع الرئيسي وراء ذلك القرار هو الرغبة في تقليل عدد الإصابات الخطيرة للرأس الناتجة عن حوادث الدراجات النارية، ولكن المثير للدهشة هو أن هذا القرار كان له أثر جانبي غريب جدًا!

 

 

فلم ينخفض عدد إصابات الرأس فقط، بل تراجعت أيضًا معدلات سرقة الدراجات النارية في البلاد من 150 ألف حادثة سرقة في عام 1980 إلى 54 ألف حادثة فقط في عام 1986، وقد يسأل سائل: كيف لهذا القانون أن يساهم في تقليل عدد حوادث سرقة الدراجات بهذا الشكل؟ كل ما فعله هذا القانون – على نحو غير مقصود – هو أنه جعل السارق مضطرًا لأن يجلب معه خوذة إذا أراد سرقة أي دراجة نارية لكي يقودها بسلام دون أن تعترضه الشرطة بينما يهرب بها.

 

ولكن أكثر السارقين لم يفعلوا ذلك، حيث وجدوا أن اضطرارهم لحمل خوذاتهم معهم لكي يرتدوها بعد سرقة الدراجة النارية شيء يمثل مشقة إضافية بالنسبة لهم، خصوصًا أن أغلب أصحاب الدراجات النارية لا يتركون خوذاتهم على دراجاتهم بل يأخذونها معهم.

 

كيف حققت الخوذة ما عجزت عنه الشرطة؟

 

في دراسة نشرت في فبراير من عام 1989 تحت عنوان "سرقة الدراجات النارية وقانون الخوذة" حاول المحقق البريطاني الشهير "باتمايهيو" وعدد من زملائه الكشف عن أسباب هذه الظاهرة ومعرفة ما إذا كان سارقو الدراجات النارية قد تحولوا إلى سرقة أشياء أخرى، ولكنهم لاحظوا أن عدد حوادث سرقة السيارات والدراجات الهوائية لم تتغير كثيرًا، وبالتالي تم استبعاد فكرة أن سارقي الدراجات النارية توقفوا عن سرقتها من أجل سرقة أشياء أخرى.

 

ولاحظت الدراسة كذلك، أن هذه ليست ظاهرة ألمانية استثنائية بل ظاهرة عالمية، فقد شهدت ولاية تكساس الأمريكية انخفاضًا قدره 44% في عدد حوادث سرقة الدراجات النارية بعد تطبيقها قانونًا يلزم ركابها بارتداء الخوذ أثناء القيادة، كما شهدت بريطانيا وهولندا انخفاضات مماثلة عندما قامت في السبعينيات بسن قوانين شبيهة.

 

 

ما علاقة هذا بذاك؟ ببساطة، مثل شرط ارتداء الخوذة أثناء القيادة شكل من أشكال الإعاقة بالنسبة للسارقين الذين أصبح عليهم الآن القيام بخطوة إضافية من أجل إتمام عملية السرقة، وهي حمل خوذة معهم قبل أن يقوموا بسرقة الدراجة أو حتى سرقة الخوذة والدراجة معًا.

 

والبشر بشكل عام لديهم ميل فطري نحو الخطط الأقل تعقيدًا والدفاعات الأقل مقاومة والحواجز التي يمكن تجاوزها بسهولة، لعل أكثرنا لاحظ أنه حين يضع طبق الفاكهة المتنوع في المنزل عادة لا يبقى في الطبق بنهاية اليوم سوى نوع فاكهة مثل البرتقال، ولكن لماذا؟ ببساطة البرتقال أكثر صعوبة في التناول مقارنة مع التفاح مثلًا أو الموز، ولتناوله ستحتاج إلى تقشيره بالسكين، وهي خطوة إضافية تشكل حاجزًا يتكاسل أمامه أكثرنا.

 

الدخول ليس كالخروج .. فخاخ منصوبة

 

تكاسلنا واستثقالنا كبشر لبذل أي قدر إضافي من الجهد مهما كان صغيرًا تفهمه وتستغله جيدًا الكثير من الشركات الكبرى، فهناك شركات تتعمد أن تسهل عليك عملية الدخول إلى الصفقة، وفي نفس الوقت تصعب وتزيد من تعقيد عملية إرجاع المنتج أو إلغاء الصفقة.

 

معرض السيارات مثلًا قد يحثك على تجربة السيارة والخروج بها من المعرض، وقد ينهي إجراءات بيعها لك في نفس اليوم، ويحصل الأقساط بشكل أوتوماتيكي من حسابك البنكي كل شهر، لتلاحظ أن كل الأمور تمضي على نحو سلس دون أي تعقيدات، ولكن إذا قررت التراجع والخروج من الصفقة ستواجه كمًا هائلًا من التعقيدات التي قد تدفعك لصرف النظر عن فكرة الاستغناء عن السيارة والاستمرار في الاحتفاظ بها.

 

 

نفس الفكرة تستخدمها الكثير من الشركات على الإنترنت، والتي تشجع الزوار على الاشتراك في خدمات الموقع وتجربته لمدة 10 أيام مثلًا بشرط إدخال بيانات بطاقاتهم الائتمانية مع التأكيد على فكرة أنه يمكن لهم إلغاء الاشتراك في أي وقت وحتى قبل حلول موعد تحصيل قيمة الاشتراك، هذه المواقع صادقة فعلًا ولكنها تقوم فقط بحيلة بسيطة، وهي أنها تجعل عملية إلغاء الاشتراك صعبة وتتطلب عدة خطوات، وفي نفس الوقت تحرص على أن تكون عملية تجديد الاشتراك تلقائية وأبسط ما تكون.

 

إذا كنت تحتاج الخدمة التي يقدمها الموقع بالفعل وراض عنها فلا توجد مشكلة، ولكن إذا لم تكن متأكدًا من ذلك وتريد تجربة الموقع فإن الاعتقاد بأنك ستسارع إلى إلغاء اشتراكك في الموقع قبل انتهاء الفترة التجريبية هو خطأ كبير، وذلك لأن الحواجز والعوائق التي تضعها المواقع والشركات في طريق خروجك ستعمل ضدك وعلى الأغلب ستثبطك عن اتخاذ هذه الخطوة.

 

نفس نقاط الضعف.. كيف تستخدم للصالح العام؟

 

فكرة العوائق والحواجز تعمل بنفس الطريقة في الاتجاه المعاكس، فكما بإمكانك تثبيط الناس أو جعل اتخاذهم لقرار ما أقل احتمالية من خلال جعله أكثر صعوبة، بإمكانك أيضًا أن تشجع الناس على اتباع سلوك معين من خلال جعله أبسط وأكثر سهولة.

 

هذا ما تقوم عليه نظرية الدفعة أو الوكزة لصاحبها الاقتصادي الأمريكي الحاصل على نوبل في العلوم الاقتصادية "ريتشارد ثالر" والذي يشير من خلالها إلى أهمية المحفزات الصغيرة في التأثير على سلوك الناس بشكل غير مباشر، في محاولة لتحقيق الامتثال غير القسري لسياسة معينة.

 

أول تطبيق لهذه النظرية كان في المملكة المتحدة، ففي عام 2012 شعرت الحكومة البريطانية بالقلق إزاء الانخفاض الكبير الذي شهدته معدلات الادخار التقاعدي من جانب العاملين بالقطاع الخاص، وفي سعيها لعلاج تلك المشكلة، قررت الحكومة إلزام أصحاب العمل باتباع نظام التسجيل التلقائي للعاملين في خطط الادخار التقاعدية.

 

 

في النظام القديم، كان على الموظف الراغب في الاشتراك ببرنامج الادخار التقاعدي أن يتقدم بنفسه بطلب لإدراجه، ولكن بموجب النظام الجديد، أصبحت الشركة ملزمة بإدراج كل موظفيها تلقائيًا في خططها التقاعدية وخصم قيمة الاشتراكات بشكل أوتوماتيكي من رواتبهم كل شهر، وفي نفس الوقت سمح لمن لا يرغب منهم في الاشتراك أن يتقدم بطلب رسمي للخروج من البرنامج.

 

كان العديد من الموظفين يريدون فعلًا الاشتراك بإحدى الخطط التقاعدية، ولكنهم كانوا يمتنعون عن اتخاذ هذه الخطوة بسبب اعتقادهم طوال الوقت أنهم قد يحتاجون هذه الأموال الآن من أجل مواجهة أي طارئ، وكانت فكرة النظام الجديد هي أن التسجيل التلقائي سيلغي الخطوة التي لطالما استثقالها أكثر الموظفين وهي التقدم بطلب للاشتراك، من خلال اعتبار الجميع مشتركين بالفعل ما لم يتقدموا بطلب لإعفائهم، أي أنه تم عكس العملية، وجعل الحاجز في طريق الخروج وليس الدخول.

 

حقق النظام الجديد نتائج مثيرة للدهشة، ففي الفترة ما بين عامي 2012 و2016 ارتفع عدد المشتركين من القطاع الخاص بخطط المعاشات التقاعدية من 2.7 مليون إلى 7.7 مليون.

 

أخيرًا، إن معظمنا قد يبالغ في تقدير قدرته على عدم التأثر بالعوائق التي يتم وضعها في طريقه، ولكن الواقع يشير إلى أن أي عائق أو حاجز مهما كان صغيرًا قادر على هزيمة أكثرنا.

 

 

المصادر: أرقام – الإندبندنت

كتاب:Inside the Nudge Unit: How Small Changes Can Make a Big Difference

دراسة: Motorcycle Theft, Helmet Legislation and Displacement

كتاب: Understanding Deviance: A Guide to the Sociology of Crime and Rule-breaking

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق