إشكالية تعليمنا العربية للناطقين بغيرها

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
إشكالية تعليمنا العربية للناطقين بغيرها, اليوم السبت 8 فبراير 2020 08:37 مساءً

أكثر من ست جامعات محلية كبيرة تحتضن كل واحدة في حرمها الجامعي معهدا لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، وتقدم من خلاله للطلاب الدوليين المنضمين لها برامج مختلفة في تعلم اللغة العربية، معظمها ديني بحت، و»كلاسيكي» نمطي، لا يتماهى مع وسائل التعليم الحديثة، إلا أنه مع ما يبذل من جهود فردية متواضعة، ويخصص من أموال طائلة، ومع الدعم السخي المقدم من الدولة للجامعات المحلية، لا تزال نتائج كل هذه المعاهد دون المتوقع، ودون الطموح، ولا ترقى إلى الحد الأدنى منه، لا على المستوى الرسمي، ولا حتى على المستوى الثقافي المحلي، والأسباب في هذا كثيرة، ومرتبطة بالإدارة الأكاديمية ارتباطها بالعوامل الثقافية والجيواستراتيجية.

غياب الوعي السياسي لدى الإدارات الأكاديمية المباشرة لهذا النوع من البرامج سبب رئيسي في تخلفها عن الصدارة، أو فلنقل: غياب الحس الوطني السياسي عند وضع الخطط الاستراتيجية لمعاهد تعليم اللغة العربية في جامعاتنا هو أحد أهم أسباب الاضمحلال لدورها التنويري والتعليمي، كيف؟ من المعلوم بالضرورة أن تعلم أي لغة جديدة لا يعود بالنفع على المتعلم فحسب، بل أيضا على أهل اللغة أنفسهم، وبصور شتى، فالمردود في هكذا حالة أمر نسبي، ويكون حجم الأثر إيجابا أو سلبا بمقدار التغذية الثقافية الموجهة للمتعلم، فالعلاقة هنا علاقة طردية متناغمة بقدر النغم الجميل الذي يعزف بين الطرفين‪.‬

قد يغيب عن واضعي خطط هذه المعاهد - بحسن نية أو عدم إدراك - أن الطالب المتلقي ربما لا يكون شخصا عاديا في بلده، أو أريد له ألا يكون عاديا، ولذلك فإن الانتباه لتوجهات وأغراض الطلاب الراغبين في تعلم اللغة أمر في غاية الأهمية، وعليه تبنى الأنشطة والبرامج، ولو كان الطالب شخصا عاديا، فينبغي ألا يعود إلى بلده عاديا، خاصة بعدما تعلم لغتنا، وانخرط في برامجنا الثقافية المعدة له ولأمثاله، ويجب أن نعي ونحن من أكثر الدول في المنطقة ابتعاثا للطلاب؛ أن المعاهد والجامعات الأجنبية التي يلتحق بها طلابنا لدراسة اللغات ليست معاهد في الجنة كما قد يظن البعض، بل فيها فوق دراسة اللغة أضعاف ما فيها‪.‬

تعليم اللغة العربية للطلاب الدوليين يجب ألا يكون مجرد واجب ديني أو ثقافي، وإنما ينبغي أن يتعدى ذلك إلى ما هو أبعد، لأنه أسلوب من أساليب القوة الناعمة، وربما كان أكثرها أثرا، وهو على المدى البعيد مدخل مهم ليس لعقل وقلب المتعلم فحسب، بل لعقول وقلوب من حوله، ومن يتعامل معه، ويتأثر به، وهي بركان خامل، وسلاح ناعم، مع الأسف لم نحسن استخدامه حتى الآن!

ربما نجحت الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة نجاحا باهرا في هذه التجربة، حيث إنها ببرامجها الدينية، وبالمنح التعليمية، امتلكت حب وولاءات طلابها الدوليين الذين أصبحوا فيما بعد مسؤولين بارزين في بلدانهم، وبالتالي أكسبت المملكة حبهم لها، وتعاطفهم معها، في كثير من القضايا والمحافل الدولية، وليتها بقيت واستمرت فيما كانت عليه‪!‬

في الأيام الماضية كنت في زيارة لفرع وزارة الخارجية في مدينة جدة، قسم تصديق الوثائق، ورأيت شابا أوروبيا، لا يتحدث العربية إطلاقا، كان ينتظر دوره مع المراجعين، يفعل ما يفعلون تماما، ومن المفارقات أن الموظفين في الفرع كانوا لا يتحدثون معه إلا بالعربية، ليس عن قصد، وإنما لأنهم لا يتحدثون الإنجليزية، وكان يحاول جاهدا أن ينسجم مع ذلك الوضع، وينجز ما أتى لأجله، وكنت أقول في نفسي: هذا الشاب وأمثاله، وغيرهم من العمالة الوافدة ممن لديهم الاستعداد والقبول، ينبغي أن يكونوا أهدافا استثمارية لمعاهد اللغة في جامعاتنا، فنحن في هذا الوقت بالذات بحاجة لتكرار تجربة الجامعة الإسلامية، ولكن هذه المرة بتوسع أكثر وانفتاح أكبر، لا لنكون نافذة على الحضارة الإسلامية فحسب، وإنما نافذة إلى عقول وقلوب شعوب العالم.

وبجانب الوعي السياسي والثقافي والجيواستراتيجي لأهمية تصدير أفكارنا وثقافاتنا عبر تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، ومع الانفتاح السياحي الديني والسياحي الترفيهي، نحتاج لوعي تجاري، يتماثل، ويتزامن مع وعينا بهذه الأمور مجتمعة، فاللغة الإنجليزية على سبيل المثال لم تتصدر لغات العالم بالعلوم فقط، لولا اهتمام أهلها بالترويج لها ونشرها، إما لدوافع وأغراض سياسية، وإما لدوافع تجارية وهيمنة ثقافية وعلمية، وحتى نصل لما وصلوا إليه، نحن بأمس الحاجة لإدارات أكاديمية تتحلى بالوعي الذاتي والشجاعة الكاملة لاغتنام الفرصة واستثمار الدعم الحكومي بالشكل الصحيح وفيما يخدم المصلحة الوطنية.

[email protected]


المصدر
مكه

أخبار ذات صلة

0 تعليق