منبع كراهية الخليجيين

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
منبع كراهية الخليجيين, اليوم الثلاثاء 1 سبتمبر 2020 09:17 صباحاً

ما أن تواردت أنباء الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، حتى تفجرت قريحة نضالية جماعية ما متمركزة في بلدان المشرق العربي، سوريا، ولبنان، وفلسطين، والأردن، أتحفت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بكل أشكال المناهضة الثقافية والمناطقية والعرقية تجاه سكان الخليج العربي. مستويات الحدة في ذلك الخطاب، والمراكز التي انطلق منه، دلت على وجود استعداد داخلي وجاهزية قبلية لمثل تلك المناهضة، المتمثلة بمختلف أشكال الكراهية المكبوتة تجاه الخليجيين. تتجاوز هذه المناهضة أي حدث سياسي، لتكون إحدى البُنى الثقافية والأيديولوجية لجهات سياسية وطبقات ثقافية ومجتمعية لبعض سكان هذا المشرق العربي، تملك سيرة تاريخية، يتخذها ويستمرئها حيز مرئي من هؤلاء السكان، الذين كانوا يُسمون مُجتمعين في العهد العثماني بـ"السوريين".

من منظور عمومي، عاشت منطقة المشرق مثلثا من النزعات الأيديولوجية السياسية طوال قرن كامل من تاريخها الحديث، شغلت القومية العربية والإسلام السياسي والقومية السورية الاجتماعية أضلاعها الثلاث.

ما كان يميز هذه العقائد السياسية الثلاث عن غيرها، هو ترسانة المفاهيم والرؤى والمخيلات والخطابات والتفاسير التي تكتنزها، حول هوية الذات الجمعية ومحددات والآخر، والحكاية التاريخية وعقيدة الحاضر، وطبعا ما يجب أن يكون عليه المستقبل. صحيح أنه كان هناك تنظيمات وقوى سياسية أخرى إلى جانبها، يسارية شيوعية مثلا، أو برجوازية تقليدية، لكنها لم تكن كما الثلاثة الأولى، تملك ذلك "العمق" من التشكيل الخطابي والأيديولوجية والرؤية الهوياتية، حول الزمن والذات الجمعية والآخر.

عبر عملية مناهضة هاتين الجماعتين، اليهود كأعداء أسطوريين، والخليجيين كممثلين للعروبة والإسلام الجوهري، شكل هؤلاء القوميون السوريون الاجتماعيون كتلة من الخرافات حول هويتهم وجماعتهم المتخيلة.

في نفس السياق، فإن الإسلام السياسي كان يلتقي بالقومية العربية أكثر مما كان يفترق عنها، ولولا الخلاف في التفصيل المتعلق بالموقع والمكانة التي يمكن أن ينالها المسيحيون أو أبناء الطوائف الإسلامية غير السُنية في الحياة العامة، لكان الطرفان تشكيلا أيديولوجياً وسياسياً ورؤيوياً واحداً.

مقابل ذلك، فإن القوميين السوريين الاجتماعيين كانوا مناهضين مطلقين لكلا الطرفين، ويملكون وعياً داخلياً شديد الحساسية تجاههما. كانت العقيدة السورية هذه تتمركز حول وجود ذات سورية ثقافية وسياسية ولغوية تاريخية، متمايزة جوهرا وتشكيلا عن العروبة، بكل أشكالها، وتحديدا العروبة الثقافية والاجتماعية، ولا تعتبر الإسلام إلا تكوينا روحيا لبعض هؤلاء السوريين، ليس إلا، ولولا الخشية من عمق العصبوية الإسلامية، لدعت لمناهضتها.

إلى جانب القومية العربية والإسلام السياسي، اللذان شكلا الند والآخر الداخلي لتلك القومية السورية، حيث كان سكان الخليج العربي بثقافتهم وأنماط حياتهم والشعور الدفين بالتفوق عليهم، التمثيل الموضوعي والعياني لتلك الندية، كانت كراهية اليهود بفاشية معلنة ومطلقة من قبل هذا التيار السياسي الثقافي، ونبذ كل ما يمت لليهودية بصلة، هو العدو الوظيفي الخارجي.

عبر عملية مناهضة هاتين الجماعتين، اليهود كأعداء أسطوريين، والخليجيين كممثلين للعروبة والإسلام الجوهري، شكل هؤلاء القوميون السوريون الاجتماعيون كتلة من الخرافات حول هويتهم وجماعتهم المتخيلة، كأمة متمايزة وذات دور وحصانة داخلية، كشيء ركيك من الفاشيات القومية التقليدية.

صحيح، لم يكن لهذا التيار ممثلون سياسيون ذات شأن في تاريخ هذا المشرق، لكنه تيار كان متسربا إلى أشكال الوعي بالنسبة للكثير من الطبقات الثقافية والاجتماعية والنزعات الطائفية لحيز واضح لسكان هذا المشرق، وما يزال يملك فاعلية ما.

يشكل الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي الأخير، وما قد يليه من توافقات سياسية مستقبلية بين إسرائيل ودول خليجية أخرى، مناسبة مثالية لأن تعيد تلك النزعة إيحاء أشكال متوترة وعصبوية و"كاريكاتورية" من ذاتها. فهذه التوافقات السياسية تحقق ما كان هذا التيار يعتبره أمرا ثقافيا وهوياتيا تاريخيا، ما كان زعيم الحزب أنطون سعادة يسميها بـ"تعاضد يهود الداخل والخارج"، تلك العبارة التي صارت بمثابة الموشح الافتتاحي لكل قوى الممانعة في هذه المنطقة، وليس ثمة أية صدفة بأن يحدث ذلك.

الأمر ذو الدلالة، فردة فعل هذه الجماعة السياسية على التوافقات السياسية الخليجية الإسرائيلية، لا تصدر على شكل خطابات أو رؤى سياسية، بل تنحدر لتكون مجرد أشكال من الاستفزاز والرعونة الثقافية، أقوال عن تفوق مبدئي على أهل الخليج، رسومات كاركتورية ساخرة من الإنسان الخليجي ومظهره وخياراته الحياتية، وصرخات على مواقع التواصل الاجتماعي، تنعت أهل الخليج بأقذع الألفاظ، دون انتباه لما تستنبطنه تلك المقولات من فاشية ودعوة للكراهية.

غياب أي مضمون سياسي مقابل هذه الهيجان الثقافي واللفظي، إنما يدفع هذه الفاعلية لأن تكشف عن حقيقتها، مجرد "تعويض نفسي" لفداحة أحوال هؤلاء المتوترين، وعما تكتنزه دعواتهم من مضامين داخلية كاشفة لطبيعة أوضاعهم.

فالمندفعون إليها يرتطمون كل لحظة بأحوالهم الذاتية، التي تعاني من كل أشكال الهزيمة والتفتت والانحلال. دول وكيانات هذا المشرق تحولت إلى مجرد شبكات منظمة لممارسة الجريمة والنهب العام، وأحزابه السياسية تحولت إلى أدوات فلكلورية بأيادي السلطات الرجعية والقوى الإقليمية، ومجتمعاتهم داخلة في حروب داخلية طاحنة، تشبه حروب قبائل ما قبل التاريخ، لسذاجة مضامين ما يتصارعون حوله.

خطاب مناهضة الخليجيين هو غطاء سياسي لأوسع مظلة من الممارسة والسياسات الطائفية، التي تلم طيفا واسعا من ذوي الحساسية تجاه أبناء الطائفة السُنية.

هذه المقارنة التي تنفجر في كل لحظة، بالضبط هو مصدر القرحة النفسية التي تصدر عنها تلك الانفعالية المناهضة للخليجيين، حيث أن حالة الغرور وأوهام التفوق التقليدية، تتفجر أمام العين كل حين.

على مستوى آخر، فإن خطاب مناهضة الخليجيين هو غطاء سياسي لأوسع مظلة من الممارسة والسياسات الطائفية، التي تلم طيفاً واسعاً من ذوي الحساسية تجاه أبناء الطائفة السُنية. ففي كل بقاع هذا المشرق، حيث تتصاعد آلية مناهضة الطائفة السُنية سياسياً وعسكرياً، من قِبل القوى السلطوية الطائفية المتضامنة فيما بينها، في سوريا، ولبنان، والعراق، وإلى حد ما في فلسطين، فإنه ثمة شعور صميمي بأن الخليج العربي هو الدفة المقابلة لهذه الطائفية السلطوية في هذه البلدان، وأن تسريب خطابات كراهية الخليجيين، الذين كانت الآلة الدعائية الأسدية تسميهم تهكما بـ"العربان"، أو غض النظر عنها على الأقل، هي من ضمن أولويات هذه السلطوية الطائفية.

أخيرا، فإن هذه الأيديولوجية السياسية اعتاشت دهراً طويلاً على مسألة "مناهضة إسرائيل"، كفعل ممارس لفاشيتها تجاه اليهود. لكنهم حاضراً يكتشفون تفكك كل أشكال المناهضة، أو ما كانوا يدعونها، ولم تعد النسب الغالبة من مجتمعات المنطقة تصدق دعايتهم تلك. لأجل ذلك، لا بد من عدو وظيفي آخر، يشغل تلك المساحة، ليحافظ ذلك التيار على شيء حيويته الداخلية، والخليجيين هُم أكثر ما قد يشغلون تلك المساحة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق